صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 18

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

اللّه يعلّمكم اللّه . إن قطع الحجب الظلمانية والنورانية وإلقاء ورفض التعيّنات الموجبة لحدود الوجود الناقص من مسببات انكشاف ملكوت الكون ، ومن هنا حوت الشريعة المحمدية على إشارات وكنايات ولطائف ونصوص كثيرة تتعلق بضرورة تكميل العقل النظري والعملي . أما من ناحية تكميل القوة النظرية لعلم اليقين وتكميل العقل العملي الذي يعتبر الجناح الآخر للسالك للتحليق في عالم الربوبية فإنها تعود على السالك بتحقق حق اليقين وعين اليقين . لقد بيّن سيد المرسلين وخاتم النبيين ( صلّى اللّه عليه وسلم ) في سنته الشريفة كل الحقائق المرتبطة بالمبدأ والمعاد وأوضح بشكل أعلى وأتم بواسطة باب مدينة علمه طريقة السلوك وكيفية بلوغ الحقائق الملكوتية ، لأن مقام نبوته ( صلّى اللّه عليه وسلم ) بحسب إحاطته بالحقائق الملكوتية هو نفسه مقام باطن الولاية تام وفوق التمام ، ولأنه صرف فإن صرف الشيء لا يقبل التعدد والكثرة ، وهو مدرك لكل الحقائق ، ومقامه الباطني الموازي للولاية وهي أتم وأوسع دوائر الولايات والنبوات متحد بولاية علي ( عليه السلام ) ، ولأن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) صاحب الاسم الأعظم ومصدر جميع الولايات والنبوات ، لا يمكن لأي صاحب شريعة وولاية أن يخرج عن دائرة ولايته . ومن هنا ليس لأي سالك أو عارف أو كامل غنى عنه ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، ولا يمكن بلوغ الحق دون شفاعة « من له الاسم الأعظم » . وكل كامل في عالم الوجود مردّه مقام النبي الأكرم ( صلّى اللّه عليه وسلم ) وولايته وأهل بيت العصمة والطهارة . ومن هذا المنطلق استنبط صدر المتألهين أساس المعارف والمباني المتعلقة بعلوم المبدأ والمعاد وما بيّنه في كتبه من الحقائق والمعارف ، من مشكاة النبوة والولاية ، وجعلها مطابقة لما جاء في القرآن الكريم والروايات المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، علّه - حسب اعتقادي - يحصل عن طريق الاتصال بمقام الولاية وبلوغ درجة الكشف على الحقائق من مقام الولاية كما هي لا غبار عليها . ومن هنا شملت فلسفته نفائس أفكار أهل الرأي والراسخين من حكماء المشّائية ، وتضمنت نقاوة وصفاء أفكار أهل الإشراق وحكماء الرواق ، وطابق بين هذه المعارف والحقائق وبين المباني والمسائل الواردة في الكتاب والسنة . ويمكن القول أن المعارف التي استنبطها من الراسخين في العلم وورثة علم الكتاب والسنة تشكل أبرز مؤلفاته الفلسفية ، فبعض المسائل النادرة الخاصة بالمبدأ والمعاد هي عبارة عن حقائق لا يحويها إلا الكتاب والسنة وروايات أهل البيت عليهم السلام ، لذا نراه قال في مقدمة هذا الكتاب ( الشواهد ) : « تفرّدت بأمور شريفة عالية خلت عن مثلها زبر الأولين وإن